جلسة 21 من فبراير سنة 1987

برئاسة السيد الأستاذ المستشار الدكتور أحمد يسري عبده رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة محمد المهدي مليحي وحسن حسنين علي والسيد السيد عمر والدكتور محمود صفوت عثمان المستشارين.

الطعن رقم 583 لسنة 29 القضائية

بعثات – تقادم حق الإدارة في المطالبة برد نفقات البعثة – القانون رقم 112 لسنة 1959 بتنظيم شئون البعثات والإجازات الدراسية والمنح.
تستمد الإدارة حقها في مطالبة عضو البعثة بالمبالغ التي أنفقت عليه من القانون مباشرة بينما تستمد حقها في مطالبة الضامن من تعهده بالضمان – ينقضي حق الإدارة بمضي خمس عشرة سنة – لا ينطبق التقادم الخمسي المتعلق بالحقوق الدورية المتجددة كالمهايا والأجور – أساس ذلك: أن نفقات البعثة تعطى بصفة الراتب أما الالتزام بردها فيفقد هذه الصفة – هو التزام بدلي عن التزام أصلي ألزمه به القانون مباشرة – لا ينطبق التقادم الثلاثي كذلك لأنه يخص الحقوق الناشئة عن المصدر الرابع من مصادر الالتزام وهو الإثراء بلا سبب – تطبيق.

إجراءات الطعن

في يوم الاثنين الموافق 24 من يناير سنة 1983 أودع الأستاذ أنور أمين كمال المحامي قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها برقم 583 لسنة 29 ق عليا في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري “دائرة العقود الإدارية والتعويضات” بجلسة 28/ 11/ 1982 في الدعوى رقم 2043 لسنة 35 ق والقاضي بإلزام المدعى عليهما متضامنين أن يدفعا للمدعي بصفته مبلغ 2205.415 جنيهاً والفوائد القانونية بواقع 4% سنوياً من تاريخ المطالبة القضائية الحاصلة في 8/ 6/ 1981 حتى تمام السداد والمصروفات، وطلب الطاعن الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض دعوى المطعون ضده الأول مع إلزامه بالمصروفات. وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني في الطعن ارتأت فيه قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع تعديل الحكم المطعون فيه إلى إلزام الطاعن بالتضامن مع المطعون ضده الثاني بمبلغ 2188.915 جنيهاً والفوائد القانونية عن المبلغ المذكور بواقع 4% سنوياً من تاريخ المطالبة القضائية الحاصلة في 8/ 6/ 1981 حتى تمام السداد مع إلزام الطاعن وجهة الإدارة بالمصروفات المناسبة.
وعرض الطعن على دائرة فحص الطعون بجلسة 17/ 11/ 1986 ونظرته على الوجه الثابت بالمحاضر ثم قررت بجلسة 5/ 1/ 1987 إحالته إلى المحكمة الإدارية العليا “دائرة منازعات الأفراد والهيئات والعقود الإدارية والتعويضات” وحددت لنظره جلسة 7/ 2/ 1987. وبهذه الجلسة نظرت المحكمة الطعن على الوجه الثابت بالمحضر وحجزته للحكم لجلسة اليوم وفيها صدر الحكم الآتي وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
ومن حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر المنازعة تخلص في أن المطعون ضده الأول كان قد أقام الدعوى رقم 2043 لسنة 35 ق بعريضة أودعت قلم كتاب محكمة القضاء الإداري بتاريخ 8/ 6/ 1981 طلب في ختامها الحكم بإلزام المدعى عليهما (المطعون ضده الثاني والطاعن) متضامنين بأن يدفعا له بصفته مبلغ 2205.415 جنيه والفوائد القانونية من تاريخ المطالبة القضائية وحتى تمام السداد، بمقولة إن المدعى عليه الأول (إبراهيم فهمي ميخائيل كان يعمل معيداً بقسم الطبيعة بكلية العلوم جامعة أسيوط ومنح إجازة دراسية بمرتب في 4/ 6/ 1967 لنيل درجة الدكتوراه من ألمانيا الغربية، إلا أنه رفض العودة إلى الوطن بعد حصوله على الدكتوراه فأنهت الجامعة خدمته اعتباراً من 1/ 6/ 1973. وعندما طولب بسداد المبالغ المستحقة عليه للبعثات والجامعة أبدى استعداده للعودة إلى الوطن والعمل بالجهة الموفدة أو في أي مكان بالجامعات المصرية. وقد وافق مجلس كلية العلوم في 1/ 12/ 1980 على عودته إلى قسم الطبيعة للعمل بوظيفة مدرس، ولكن الإدارة العامة للبعثات أفادت بكتابها المؤرخ 8/ 3/ 1981 أن المذكور هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأضافت الجامعة أن المدعى عليه الأول وقع قبل سفره على تعهد بضمانة المدعى عليه الثاني (الطاعن) بأن يرد كافة النفقات في حالة إنهاء إجازته الدراسية وعدم عودته. ولما كانت المرتبات التي صرفت له من الجامعة تبلغ 2188.915 جنيه يضاف إليها مبلغ 16.500 جنيهاً قيمة كتاب فقد من عهدته أثناء عمله بكلية العلوم فيكون إجمالي المبلغ هو 2205.415 جنيهاً. وبجلسة 28/ 11/ 1982 حكمت المحكمة بإلزام المدعى عليهما متضامنين بأن يدفعا للمدعي بصفته المبلغ المطلوب والفوائد القانونية بواقع 4% سنوياً من تاريخ المطالبة القضائية الحاصلة في 8/ 6/ 1981 حتى تمام السداد والمصروفات، وأقامت قضاءها على أساس أن المدعى عليه الأول قد أخل بالتزامه بالعودة فور حصوله على الدكتوراه وآثر البقاء في الخارج متعللاً بأن زوجته تدرس الدكتوراه بالخارج، مما اضطر الجامعة إلى إنهاء خدمته ومطالبته بالمبلغ المذكور. ولا وجه لما ذهب إليه المدعى عليه الأول من أنه تقدم بطلبات للعمل بالجامعة المدعية وغيرها من الجامعات المصرية إذ أن الجامعة لا تنكر تقدمه بهذه الطلبات وأنها رغبة منها في منحه الفرصة وافقت على إلحاقه بالعمل بها إلا أنها تبينت هجرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وأردفت المحكمة أنه لا وجه للدفع المقدم من المدعى عليه بسقوط الحق في مطالبته بالمبلغ المذكور استناداً لحكم المادة 187/ 1 من القانون المدني على أساس أن حق الجهة الإدارية في استرداد ما صرف إليه بغير حق سقط بانقضاء ثلاث سنوات، وكذلك استناداً لحكم المادة 375 مدني على أساس أن المطالبة باسترداد ما صرف من مهايا وأجور ومرتبات يسقط بالتقادم الخمسي – ذلك أن التقادم الخاص المنصوص عليه في هاتين المادتين لا يسري على الحقوق الناشئة عن المصدر الأول من مصادر الالتزامات وهو العقد كما لو كان الالتزام مترتباً على إخلال المتعاقد بالتزاماته، وكذلك لا يسري على الحقوق الناشئة عن المصدر الخامس وهو القانون كما لو كان الالتزام مترتباً على الإخلال بالتزام نشأ عن القانون مباشرة. ولما كان التزام المدعى عليه الأول برد النفقات التي تحملتها الإدارة أثناء الإجازة الدراسية في حالة إخلاله بالتزاماته مصدره التعهد الموقع منه والقانون رقم 112 لسنة 1959 فإن هذا الالتزام لا يسقط إلا بالتقادم الطويل أي بمضي خمسة عشر عاماً.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن الحكم المطعون فيه خالف أحكام القانون وأخطأ في تطبيقه برفض الدفعين المقدمين في الدعوى بسقوط حق الجهة الإدارية في مطالبة المدعى عليه بالمبلغ – المحكوم به – بالتقادم استناداً إلى حكم المادتين 187/ 1 و375 من القانون المدني، كما أشار الحكم في أسبابه إلى أن الجامعة المطعون ضدها أتاحت الفرصة للمطعون ضده الثاني للعودة للعمل بها ولكنه كان قد هاجر للولايات المتحدة، وفات الحكم أن يتثبت من تاريخ هذه الفرصة التي أتاحتها له الجامعة إذ أنها لم توافق على عودته للعمل إلا في 23/ 12/ 1980 أي بعد أكثر من خمس سنوات على إنهاء خدمته وبعد سنتين وتسعة أشهر على عودته من الخارج في 22/ 3/ 1978.
ومن حيث إن المادة 187/ 1 من القانون المدني التي يستند إليها الطاعن في الدفع بسقوط حق الجهة الإدارية في مطالبته بالنفقات والمرتبات التي صرفت له طوال مدة إجازته الدراسية تنص على أن “تسقط دعوى استرداد ما دفع بغير حق بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي يعلم فيه من دفع غير المستحق بحقه في الاسترداد وتسقط الدعوى كذلك في جميع الأحوال بانقضاء خمس عشر سنة من اليوم الذي ينشأ فيه هذا الحق”. وتنص المادة 375 مدني على أن “يتقادم بخمس سنوات كل حق دوري متجدد ولو أقر به المدين كأجرة المباني والأراضي الزراعية ومقابل الحكر والفوائد والإيرادات المرتبة والمهايا والأجور والمعاشات”. ولا جدال في عدم انطباق النص الأخير على الحالة المعروضة لأن المبلغ المطلوب إلزام المذكور بدفعه للجامعة وإن تم صرفه إليه بوصفه مرتباً إلا أن التزامه برده إلى الجامعة يفقد هذا الوصف وإنما هو التزام بدلي عن التزام أصلي ألزمه بهما القانون مباشرة. إذ تنص المادة 31 من القانون رقم 112 لسنة 1959 بتنظيم شئون البعثات والإجازات الدراسية أو المنح على أن “يلتزم عضو البعثة أو الإجازة الدراسية أو المنحة بخدمة الجهة التي أوفدته أو أي جهة حكومية أخرى ترى إلحاقه بها بالاتفاق مع اللجنة التنفيذية للبعثات لمدة تحسب على أساس سنتين عن كل سنة قضاها في البعثة أو الإجازة الدراسية وبحد أقصى سبع سنوات لعضو البعثة وخمس سنوات لعضو الإجازة الدراسية إلا إذا تضمنت شروط البعثة أو الإجازة الدراسية أحكاماً أخرى”. وتنص المادة 33 على أن “للجنة التنفيذية أن تقرر إنهاء بعثة أو إجازة أو منحة كل عضو يخالف أحكام المواد 23 و25 و27 و29 و30 كما أن لها أن تقرر مطالبة العضو بنفقات البعثة أو المرتبات التي صرفت له في الإجازة أو المنحة إذا خالف أحكام المادة 25 أو 31”. كذلك لا ينطبق حكم المادة 187/ 1 مدني سالفة الذكر لأن مدة التقادم المنصوص عليها فيها إنما تخص الحقوق الناشئة عن المصدر الرابع من مصادر الالتزام وهو الإثراء بلا سبب (دفع غير المستحق) في حين أن حق الإدارة في مطالبة المدعى عليه الأول (إبراهيم فهمي ميخائيل) بالمبالغ المذكورة مستمد مباشرة من القانون، وحقها في مطالبة المدعى عليه الثاني (الطاعن) مستمد من التعهد الذي وقعه بضمان المدعى عليه الأول في تنفيذ التزاماته، ومن ثم لا يتقادم هذا الحق إلا بانقضاء خمس عشرة سنة.
ومن حيث إنه لا محاجة بما ذهب إليه الطاعن من أن المطعون ضده الثاني كان قد عرض على جهة الإدارة العودة إلى العمل بها ولكنها لم ترد عليه بالموافقة إلا في 23/ 12/ 1980 بعد فوات سنتين وتسعة أشهر على عودته من الخارج في 23/ 3/ 1978 ذلك أن الثابت من الأوراق أن المطعون ضده الثاني حصل على الدكتوراه في مايو سنة 1973 ولما طالبته الجامعة الموفدة بالعودة للوطن رفض وطلب منحه إجازة بدون مرتب لمرافقة زوجته بالخارج، وإزاء إصرار المطعون ضده الثاني على عدم العودة أصدرت الجامعة قرارها رقم 1450 لسنة 1975 بإنهاء خدمته اعتباراً من 1/ 6/ 1973 تاريخ انتهاء مدة الإجازة الدراسية وأخطر بهذا القرار بكتاب الجامعة رقم 603 المؤرخ 4/ 2/ 1976 – والذي قدمه المطعون ضده ضمن حافظة مستنداته في الدعوى – واستمر بالخارج حتى عاد إلى أرض الوطن في 23/ 3/ 1978 فتقدم بطلبات لجامعات طنطا والمنوفية وسوهاج لشغل وظيفة أستاذ مساعد بكلية العلوم بها لكنه لم يوفق فعاد إلى الخارج وعندما قررت اللجنة التنفيذية للبعثات بتاريخ 5/ 4/ 1980 مطالبته بالنفقات والمرتبات التي صرفت له عن مدة الإجازة الدراسية، وأخطر بهذا القرار على المكتب الثقافي بألمانيا الغريبة بكتاب إدارة البعثات رقم 275/ 28 المؤرخ 8/ 4/ 1980 ورد للإدارة كتاب المستشار الثقافي ومدير البعثة التعليمية بألمانيا المؤرخ 3/ 5/ 1980 يفيد أن الدكتور إبراهيم فهمي ميخائيل أبدى استعداده للعودة للوطن للعمل في أي مكان بالجامعات المصرية. وتلبية لهذه الرغبة وافقت جامعة أسيوط على عودته وتعيينه مدرساً بقسم الطبيعة بكلية العلوم. وأرسلت الجامعة كتابها رقم 7995 المؤرخ 25/ 12/ 1980 إلى مدير عام إدارة البعثات لإخطار المستشار الثقافي ببون بذلك لعودة المذكور للوطن والحضور لكلية العلوم بالجامعة لتسلم عمله. غير أنه ورد للجامعة كتاب الإدارة العامة للبعثات بتاريخ 8/ 3/ 1981 يفيد أنه بإخطار المكتب الثقافي ببون في 1/ 1/ 1981 بقرار الجامعة عودة المذكور للعمل مدرساً بكلية العلوم، أفاد المستشار الثقافي أنه بالكتابة إلى المذكور أعيدت المكاتبة وتبين أنه هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ويستفاد مما سبق أن عودة المذكور إلى الوطن كانت بعد زهاء خمس سنوات من تاريخ انتهاء إجازته الدراسية وحصوله على الدكتوراه وبعد إنهاء خدمته بالجامعة الموفدة وإخطاره بذلك، وأنه سعى لدى الجامعات الأخرى – غير الجامعة الموفدة – في التعيين بها بوظيفة أستاذ مساعد لعدم رضائه بالعمل بوظيفة مدرس وإذ لم يوافق لذلك غادر الوطن عائداً إلى ألمانيا الغربية. فلما أخطر هناك بمطالبة إدارة البعثات بالمبالغ التي صرفت له خلال مدة الإجازة الدراسية، عاد إلى المراوغة فعرض على المستشار الثقافي بألمانيا الغربية رغبته في العودة للعمل في أي مكان بالجامعات المصرية. ولما استجابت له جامعة أسيوط وقررت عودته للعمل بوظيفة مدرس وأخطر بهذا القرار على مكتب البعثات تبين أنه هاجر إلى الولايات المتحدة. وكل ذلك قاطع في أن المذكور أخل بالتزامه المفروض عليه بالقانون وما تعهد به وأنه أصر على هذا الإخلال ومراوغة جهة الإدارة رغم ما أتاحته له من فرصة لتنفيذ التزامه – ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه فيما استخلصه من أحقية جهة الإدارة في مطالبة المذكور بالنفقات والمرتبات التي صرفت له خلال مدة الإجازة الدراسية قد أصاب وجه الحق والقانون ويكون الطعن عليه قد قام على غير سبب صحيح حقيقاً بالرفض. غاية الأمر أنه لما كانت تلك النفقات والمرتبات – كما قدرتها جهة الإدارة – تبلغ 2188.915 جنيه وهو الحد الذي يقف عنده التزام الطاعن باعتباره ضامناً للمطعون ضده في تنفيذ ما تعهد به من خدمة الجامعة أو دفع هذه النفقات، إلا أن الحكم المطعون فيه إذ أضاف إلى المبلغ المذكور مبلغاً قدره 16.500 جنيه قيمة كتاب فقد من عهدة المطعون ضده الثاني أثناء عمله بالكلية وقضى بإلزام الطاعن متضامناً مع المذكور بدفع مجموع المبلغين ومقداره 2205.415 جنيه، يكون قد جاوز حدود التزام الطاعن ومن ثم يتعين تعديله وقصر التزام الطاعن بالتضامن مع المطعون ضده الثاني على دفع مبلغ 2188.915 جنيه والفوائد القانونية عن هذا المبلغ من تاريخ المطالبة القضائية، ويظل الحكم صحيحاً بالنسبة لما حكم به قبل المدين الأصلي الدكتور إبراهيم فهمي ميخائيل بالنسبة لمجموع المبلغين.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بتعديل الحكم المطعون فيه إلى إلزام الطاعن بالتضامن مع المطعون ضده الثاني بأن يدفع للمطعون ضده الأول مبلغ 2188.915 جنيه (ألفين ومائة وثمانية وثمانين جنيهاً وتسعمائة وخمسة عشر مليماً) والفوائد القانونية عن هذا المبلغ بواقع 4% سنوياً من تاريخ المطالبة القضائية الحاصلة في 8/ 6/ 1981 حتى تمام السداد وألزمت الطاعن بالمصروفات.

 

Views: 0